أداب وثقافة

في تأبين الصديق علي بارجاء:
دهشة اللقاء الأول وغصة الوداع الأخير

كتب / د.سعيد الجريري



علي بارجاء .. وتعود بي الذاكرة إلى 1984 في السكن الداخلي لطلاب كلية التربية بالمكلا القادمين من مناطق شتى، حيث رأيت أول مرة ذلك الفتى السيئوني الأنيق، الرفيع كناي شجي، المهندم شكلاً ومنطقاً، تتوقد عيناه ذكاءً وتكشفان عن جمرة الإبداع التي سمهرت قامته ونحتت ملامحه الآسرة.
لم يكن مجرد طالب، بل كان مشروع مبدع وباحث يتشكل على خلفية مؤصلة. سبقته بعام، لكن محبتنا الشعرَ أفردت لنا فضاء حراً خارج الدرس وتقاليده، كان عالماً موازياً يؤثثه علي بقصائده المميزة، مجاوراً زملاء الشعر والسرد والنقد، ممن لا يتسع المجال هنا لذكرهم، لكنه كان بينهم اسماً لا تخطئه عين.
ومضى الزمان بنا، وتفرقت بنا سبل الحياة، لكن آصرة الأدب ظلت أيقونة الصداقة التي ارتقينا فيها إلى درجة الإخاء، وظل كل منا حافظاً للآخر وداً غير ممنون، وكلما جمعت بيننا مناسبة أدبية هاجت ذكريات الجامعة، والبراق الطويل الذي كان علي بارجاء شمعته المضيئة.
جمعنا اتحاد الأدباء وتشكلت على نحو ما ذواتنا الكتابية، لكن دهشة اللقاء الأول لم يمحها ما تلاها، فهي التي ظل يضج بها جناني إلى آخر مكالمة بيننا وهو على سرير الاستشفاء في القاهرة، قبل أن يصدمني النبأ.
علي بارجاء من الدائرة الأدبية الضيقة، وعندما أسلم الروح أحسست بأن بعضاً من روحي ارتقى معه، فظللت أغالب فيه الحزن، والحزن أغلب. ودهمني إحساس بأن العشرين السنة الماضية شاغبتنا وشاغلتنا عن بعضنا، رغم ما أبديناه من قدرة على المغالبة.
الذكريات لا تحيط بها كتابة منكوءة بالأسى. إنما حسبي أن أشير إلى أنه من حسن حظنا معاً أن كنا رفاق رحلة إلى ماليزيا في 2005 بصحبة زملاء وأساتذة آخرين، فكان علي مثالاً يسعى على قدمين لمعنى “صحبة ماجد” المنوّه بها في فوائد السفر السبع.
وكان من حسن حظنا – ومما أسعدني وأحزنني في آن معاً، فما وددت أن أكون في موضع الأستاذ، لأن علياً منذ أن عرفته كان أستاذاً قديراً – أن كنت أحد مناقشي رسالته العلمية الممتازة – مع د. عبدالمطلب جبر و د. مسعود عمشوش – عن “أدب المهجر الشرقي” التي نال بها مقتدراً درجة الماجستير ، وهي جديرة بالطباعة لما بذله فيها من جهد علمي وما احتوته من مادة ثرية نقب عنها بجسارته الأدبية، فأضاف إلى المكتبة واحدة من الرسائل العلمية الرصينة التي ينبغي أن تحال إلى كتاب متداول.
ولعل مما آخى بين ذاتينا أن كلاً منا بقدر إقباله على الشعر كتابة وقراءة وتذوقاً، كان له إقبال موازٍ على الثقافة الشعبية ولا سيما الشعر الشعبي الذي آخى كل منا بينه والشعر (الفصيح) في الإبداع والقراءة. بل لقد كان لعلي انفتاح شامل على دقائق ولطائف في الأدب الشعبي دالة على مكانته التي انماز بها في الاختيار والتحليل والإنجاز.
أشعر أن في القلب غصة، فقد اختطف الموت علياً بمخاتلة دراماتيكية، آلمني كثيراً، أنا البعيد القريب، أن واجهنا معاً – بمتابعة نجله النجيب عبدالرحمن – خذلاناً وعدم اكتراث بحاله المرَضي وقلة ذات اليد، وكان يأتيني صوته عابراً قارتين مشحوناً بآلام ومحبة. ولست أدري أ هو شيء من مخبوء ذواتنا الجميلة أن تكون الشهور الأخيرة في حياته – رغم الداء والأعدقاء – دافئة على قلبينا، كأنما هي تجديد دفء قديم كان يشملنا معاً، عندما كنا معاً شابين ينوء الكون بأحلامنا التي حقق كل منا – رغم كل شيء – بعضاً منها؟ لكن أجمل مافينا، ربما، أن ظللنا على زهد جميل شفيف يصد عن مغريات تحيط بنا، نباهي بأننا في زمرة الفقراء الأغنياء بأدبهم وما يبقى من سيرة نظيفة.
سعيد الجريري

إلى الأعلى